أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
312
الكامل في اللغة والأدب
قوله : من يكون نهاره جلادا ويمسي ليلة غير نائم ، يريد يمسي هو في ليله ويكون هو في نهاره ، ولكنه جعل الفعل لليل والنهار على السعة ، وفي القرآن : بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ « 1 » ، والمعنى بل مكركم في الليل والنهار . وقال رجل من أهل البحرين من اللصوص : أما النهار ففي قيد وسلسلة * والليل في جوف منحوت من الساج وقال آخر : لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطيّ بنائم ولو قال : من يكون نهاره جلادا ويمسي ليله نائم : لكان جيدا وذاك أنه أراد من يكون نهاره يجالد جلادا ، كما تقول : إنما أنت سيرا وإنما أنت ضربا ، تريد تسير سيرا وتضرب ضربا فأضمر لعلم المخاطب أنه لا يكون هو سيرا ، ولو رفعه على أن يجعل الجلاد في موضع المجالد على قوله : أنت سير أي أنت سائر ، كما قالت الخنساء . ( فإنما هي إقبال وإدبار ) وفي القرآن : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً « 2 » أي غائرا ، وقد مضى تفسير هذا بأكثر من هذا الشرح . ولو قال ويمسي ليله غير نائم لجاز يصيّر اسمه في يمسي ويجعل ليله ابتداء ، وغير نائم خبره ، على السعة التي ذكرنا . وقوله : غموس يريد واسعة محيطة ، والعنبري بن سالم رجل منهم كان يقال له الأشدق ، واللّطائم واحدتها لطيمة ، وهي الإبل التي تحمل البزّ والعطر . وقوله : توقد في أيديهم زاعبية يعني الرماح والتوقد للأسنّة والزاعبية منسوبة إلى زاعب وهو رجل من الخزرج كان يعمل الرماح ، وتفري تقدّ ، يقال : فرى إذا قطع وأفرى إذا أصلح ، وقال حبيب بن عوف من قوّاد المهلب : أبا سعد جزاك اللّه صالحة * فقد كفيت ولم تعنف على أحد داويت بالحلم أهل الجهل فانقمعوا * وكنت كالوالد الحاني على الولد
--> ( 1 ) سورة سبأ : الآية 3 . ( 2 ) سورة الملك : الآية 30 .